الثعالبي
340
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )
من كان من المنافقين يقول لإخوانه في النسب وقرابته هلم ، أي : إلى المنازل والأكل والشرب ، واترك القتال . وروي أن جماعة منهم فعلت ذلك وأصل * ( هلم ) * ها المم . وهذا مثل تعليل " رد " من " أردد " والبأس : القتال و * ( إلا قليلا ) * معناه إلا إتيانا قليلا ، و * ( أشحة ) * جمع شحيح والصواب تعميم الشح أن يكون بكل ما فيه للمؤمنين منفعة . وقوله : * ( فإذا جاء الخوف ) * قيل : معناه : فإذا قوي الخوف رأيت هؤلاء المنافقين ينظرون إليك / نظر الهلع المختلط ; الذي يغشى عليه ، فإذا ذهب ذلك الخوف العظيم وتنفس المختنق : * ( سلقوكم ) * أي : خاطبوكم مخاطبة بليغة ، يقال : خطيب سلاق ومسلاق ومسلق ولسان أيضا كذلك إذا كان فصيحا مقتدرا ووصف الألسنة بالحدة لقطعها المعاني ونفوذها في الأقوال ، قالت فرقة : وهذا السلق هو في مخادعة المؤمنين بما يرضيهم من القول على جهة المصانعة والمخاتلة . وقوله : * ( أشحة ) * حال من الضمير في * ( سلقوكم ) * . وقوله : * ( على الخير ) * يدل على عموم الشح في قوله أولا : * ( أشحة عليكم ) * وقيل : المراد بالخير : المال ، أي : أشحة على مال الغنائم ، والله أعلم . ثم أخبر تعالى عنهم أنهم لم يؤمنوا ، وجمهور المفسرين على أن هذه الإشارة إلى منافقين لم يكن لهم قط إيمان ، ويكون قوله : * ( فأحبط الله أعمالهم ) * أي : أنها لم تقبل قط ، والإشارة بذلك في قوله * ( وكان ذلك ) * إلى حبط أعمال هؤلاء المنافقين ، والضمير في قوله : * ( يحسبون الأحزاب ) * للمنافقين ، والمعنى : أنهم من الفزع والجزع بحيث رحل الأحزاب وهزمهم الله تعالى ، وهؤلاء يظنون أنها من الخدع ; وأنهم لم يذهبوا ، * ( وإن يأت الأحزاب ) * ، أي : يرجعوا إليهم كرة ثانية * ( يودوا ) * من الخوف والجبن * ( لو أنهم بأدون ) * أي : خارجون إلى البادية . * ( في الإعراب ) * وهم أهل العمود ليسلموا من القتال . * ( يسئلون ) * أي من ورد عليهم . ثم سلى سبحانه عنهم وحقر شأنهم بأن أخبر أنهم لو حضروا لما أغنوا ولما قاتلوا إلا قتالا قليلا ; لا نفع له . ثم قال تعالى - على جهة الموعظة - : * ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) * حين صبر وجاد بنفسه ، و * ( أسوة ) * معناه قدوة ، ورجاء الله تابع للمعرفة به ، ورجاء اليوم الآخر ثمرة العمل الصالح ، وذكر الله كثيرا من خير الأعمال فنبه عليه .